السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
183
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
ما على هذا عاهدتموني فخلّصه من يده ، وقال ألقوه بالجب ، فإما أن يموت أو يلتقطه بعض السيّارة . فذهبوا إلى بئر هناك ضيق الرأس واسع الأسفل فشدوه بحبل ودلوه فيه ، فتعلق بشفيرها وكانوا شلحوه قميصة ، فقال دعوه أستتر به ، فلم يفعلوا ، وقال لهم أتتركوني في هذه البرية وبهذا الجب فريدا وحيدا ؟ ! فقالوا له دع الشمس والقمر والكواكب يسترونك ويؤنسونك ، وأرسلوه في البئر وهو يستغيث بهم ولا مغيث ، ولما بلغ نصف البئر ألقوه إرادة موته ، وكان في البئر ماء فسقط فيه ، وتركوه ورجعوا وقالوا إن ملكا أرسله اللّه إليه فحلّ وثاقه ، وأخرج له صخرة من البئر فأجلسه عليها ، وقالوا إن يعقوب لما بعثه مع إخوته أخرج له قميص إبراهيم الذي كساء اللّه إياه في النار حين ألقي فيها وهو من الجنة ، فجعله في قبعته وجعلها في عنقه ، فأخرجه الملك وألبسه إياه ، فأضاء له الجب من بريقه ، وعذب ماء الجب ، وصار له غذاء وشرابا ، ولما نهض الملك ليذهب وكان جبريل عليه السلام قال له يوسف إذا خرجت استوحشت ، فقال له إذا رهبت فقل : يا صريخ المستصرخين ، ويا غوث المستغيثين ، ويا مفرج كرب المكروبين ، قد ترى مكاني ، وتعلم حالي ، ولا يخفى عليك شيء من أمري ، فقالها فاستأنس وحفته الملائكة . قال تعالى « وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ » في البئر حال صغره كما أوحينا إلى عيسى ويحيى من بعده في صغرهما ، وكان عمره سبعة عشرة سنة كما قدمناه في الآية 7 المارة « لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا » الذي فعلوه بك وأنت صاحب السلطة عليهم « وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ 15 » أنك أنت يوسف كما أنهم لم يشعروا كيف آنسناك بالبئر وجعلنا ماءه لك طعاما وشرابا ، ولا يعلمون حينما يأتونك في مصر ليمتاروا لأهلهم وأنت عامل فيها ، ولا يعرفونك إذ يأتونها وأنت ملكها لطول العهد وعدم تصور أذهانهم بما تصير إليه إذ ذاك من علو الشأن وعظمة السلطان ولا يدرون بأنا أعلمناك بأنك ستخبرهم بصنيعهم هذا معك ، وفائدة هذا الوحي تطبيب قلبه وإزالة الهم عنه وغم الوحشة تقوية لجنانه ، وهذا الوحي إما بواسطة الملك الذي كان معه في البئر أو بإلهام من اللّه ، والأول أولى لما مر . قالوا ولما أتموا فعلتهم هذه لم يروا ما يعتذرون به إلا ما لقنهم أبوهم ، فعمدوا إلى